إعادة إعمار مشروطة.. إسرائيل تضع رفح الجديدة تحت سيطرتها وفق تفاهمات سياسية معقدة
إعادة إعمار مشروطة.. إسرائيل تضع رفح الجديدة تحت سيطرتها وفق تفاهمات سياسية معقدة
كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن قرار حكومي بالسماح بإعادة إعمار منطقة رفح الجديدة الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية جنوبي قطاع غزة، في خطوة وُصفت بأنها استجابة مباشرة لطلب أمريكي، وتأتي في سياق تفاهمات سياسية وأمنية شديدة الحساسية تتعلق بمستقبل القطاع بعد حرب مدمرة استمرت عامين.
وذكرت الصحيفة العبرية، الأربعاء، أن الحكومة الإسرائيلية وافقت على بدء إعادة إعمار رفح الجديدة بعد تلقيها تعهداً من حركة حماس بنزع سلاحها خلال مدة أقصاها 100 يوم، بحسب ما نقلته عن مصادر مطلعة، وأشارت إلى أن القرار يمثل تحولاً جزئياً في الموقف الإسرائيلي الذي كان يشترط نزع سلاح قطاع غزة بالكامل قبل السماح بأي عملية إعمار.
تفاصيل التفاهمات الجديدة
بحسب تقرير هآرتس، فإن القرار الإسرائيلي جاء ضمن تصور جديد يهدف إلى الفصل بين ما يُعرف بغزة القديمة التي تخضع لسيطرة حماس الكاملة، وبين مناطق إنشاءات جديدة في القطاع تقع تحت مسؤولية لجنة تكنوقراط جرى تشكيلها بدعم أمريكي، ويفترض أن تتولى هذه اللجنة الإشراف على مشاريع الإعمار في رفح الجديدة بعيداً عن إدارة حماس المباشرة.
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الحكومة الإسرائيلية أو الولايات المتحدة بشأن ما ورد في تقرير الصحيفة، كما لم تعلن حماس موقفاً واضحاً من الحديث عن تعهد بنزع السلاح، في وقت تؤكد فيه الحركة تمسكها بسلاحها وتطرح بدائل مثل تخزينه أو تجميده، باعتباره سلاح مقاومة ضد إسرائيل التي تصنفها الأمم المتحدة القوة القائمة بالاحتلال.
رفح تحت السيطرة العسكرية
تخضع منطقة رفح لسيطرة الجيش الإسرائيلي الذي لم ينسحب منها ضمن المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بقطاع غزة، والتي دخلت حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، وتشكل رفح نقطة استراتيجية في جنوب القطاع، ما يجعلها محوراً أساسياً في أي ترتيبات أمنية أو إنسانية مستقبلية.
ولم تحدد هآرتس موعداً لبدء عملية إعادة الإعمار، مشيرة إلى أن تنفيذ المشروع لم ينطلق فعلياً حتى الآن، رغم التحضيرات الميدانية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي منذ فترة، منها إزالة مخلفات البناء والذخائر غير المنفجرة من المنطقة.
دور أمريكي متقدم
قبل أكثر من أسبوع، عرض المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر خلال منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا خطة أمريكية لإعادة إعمار غزة تبدأ من منطقة رفح، في إطار رؤية أوسع لإعادة ترتيب الأوضاع في القطاع، ويعكس هذا الطرح رغبة أمريكية في الدفع نحو مسار إعمار تدريجي، يبدأ بمناطق خاضعة لرقابة أمنية مشددة.
وتشير الصحيفة إلى أن البند 17 من خطة ترامب، المؤلفة من 20 بنداً، ينص على أنه في حال عرقلة حماس للخطة أو اعتراضها عليها، سيتم تنفيذ بنودها في المناطق الخالية من الإرهاب في غزة، والتي ستُنقل من الجيش الإسرائيلي إلى قوة استقرار دولية.
إعمار مشروط وتمويل غامض
أوضحت هآرتس أن إسرائيل كانت تشترط في السابق نزع السلاح من قطاع غزة بالكامل لإطلاق عملية الإعمار، وفقاً لمتطلبات قادة الجيش، إلا أن التفاهمات الجديدة تنص على تأجيل إعمار غزة القديمة إلى ما بعد نزع السلاح، مقابل السماح بالبناء في رفح الجديدة بالتزامن مع التزام حماس بنزع سلاحها خلال المهلة المحددة.
ورغم ذلك، نقلت الصحيفة عن مسؤولين في الجيش الإسرائيلي قولهم إن العمل في رفح لم يبدأ فعلياً بعد، بسبب عدم تحديد الدول المانحة آلية التمويل اللازمة، وأكدت أن العمال من غزة الذين سيشاركون في إعادة بناء البنية التحتية، إضافة إلى المقاول الغزي المكلف بالتنفيذ، حصلوا على موافقة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
غزة بين الدمار والحصار
تأتي هذه التطورات في ظل واقع إنساني كارثي في قطاع غزة، بعد حرب شنتها إسرائيل بدعم أمريكي منذ 8 أكتوبر 2023 واستمرت عامين، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 71000 فلسطيني وإصابة ما يزيد على 171000 آخرين، معظمهم من الأطفال والنساء.
ودمرت الحرب نحو 90 في المئة من البنى التحتية المدنية في القطاع، في حين قدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 7 مليارات دولار، ويعيش قرابة 2.4 مليون فلسطيني في ظروف مأساوية، بينهم 1.5 مليون نازح حرموا من منازلهم ومصادر رزقهم.
خروقات مستمرة لوقف النار
على الرغم من سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تتهم فصائل فلسطينية إسرائيل بخرق الاتفاق بشكل يومي، ما أدى إلى استشهاد 488 فلسطينياً، إضافة إلى استمرار منع إدخال الكميات المتفق عليها من الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء.
وتطالب حماس مراراً بضغط دولي على إسرائيل لتنفيذ استحقاقات الاتفاق، وعلى رأسها البدء الفعلي في عملية إعادة الإعمار ورفع القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية.
سياق تاريخي وسياسي أوسع
تعود جذور الصراع إلى عام 1948، حين أُقيمت إسرائيل على أراضٍ فلسطينية بعد عمليات تهجير واسعة ومجازر ارتكبتها عصابات صهيونية مسلحة، وفق الرواية الفلسطينية، ومنذ ذلك الحين تواصل إسرائيل احتلالها لأراضٍ فلسطينية أخرى، وترفض الانسحاب الكامل أو قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي ظل هذا التاريخ الطويل من الصراع يرى مراقبون أن أي عملية إعادة إعمار في غزة ستظل رهينة الحسابات السياسية والأمنية، ما لم تقترن بتسوية شاملة تعالج جذور الأزمة وتضع حداً لدورات العنف المتكررة.
يعد قطاع غزة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، ويخضع لحصار إسرائيلي مشدد منذ عام 2007. وشهد القطاع عدة حروب مدمرة خلال السنوات الماضية، أدت إلى تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، وتلعب الولايات المتحدة دوراً محورياً في إدارة ملفات التهدئة والإعمار، في حين تبقى إعادة إعمار غزة قضية شديدة التعقيد، ترتبط بقضايا الأمن ونزع السلاح والاعتراف السياسي، ومع استمرار الخلافات بين الأطراف المعنية، يبقى مستقبل الإعمار مرهوناً بتفاهمات هشة قد تتغير مع أي تصعيد جديد على الأرض.











